يمثل العمل الخيري والإنساني ذروة سنام العلاقة الإنسانية التي تربط البشر بعضهم بعضًا، فهذا الذي كد واجتهد يدفع ما لديه طواعية من أجل مساعدة آخر في أغلب الحالات لا يعرفه ولم يلتقه يومًا، وهذا قمة العطاء، الذي يرجو به وجه الله قبل كل شيء وتحقيق مستوى تكافل يضمن للجميع عيشًا كريمًا.
وفي قطر، تترسخ هذه الفلسفة في المجتمع بصورة يلحظها الجميع، حتى باتت جزءا رئيسيا من الحياة اليومية لكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة، طيبة بعطائها للعالم ومواصلة أبنائها لهذا النهج المتوارث جيلا بعد جيل، وهو أمر نلمسه في عملنا الخيري بصورة يومية، فنجد من يبادر للعطاء بمجرد معرفته بالحالة الإنسانية التي تحتاج إلى المساعدة، بل يتجاوز الأمر هذه المرحلة في بعض الأحيان بعطاء غير موجه لحالة بعينها بل متروك لأهل الثقة من العاملين في هذا القطاع لإيصال الصدقات لمن يستحقها.
ولعل أبرز برهان على هذا العطاء الكبير والمتواصل ما كشف عنه تقرير World Giving Report 2025، الذي وضع قطر ضمن أكثر دول العالم عطاءً، إذ بلغ متوسط ما يتبرع به الفرد القطري 1.92% من دخله، لتحتل قطر المرتبة السابعة عالميًا. كما تصدرت قطر الدول الخليجية في متوسط ساعات التطوع، بواقع 27.5 ساعة للفرد خلال عام 2024، وهو عطاء لا يقل أهمية عن الجانب المادي، فهو يتمثل في أكثر ما يمتلكه الإنسان قيمة وهو وقته وجهده.
ونحن في مؤسسة ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية، نلمس ونعايش هذا النهر المتدفق من العطاء المتزايد يومًا بعد يوم، فبمجرد طرح مشروعاتنا الخيرية، وفي أقل من عام وجدنا تزايد بصورة كبيرة في عطاء أهل قطر، وتفاعل لا ينقطع مع المبادرات الإنسانية التي تطرحها المؤسسة، الأمر الذي دفعنا لطرح المزيد من المشروعات والمبادرات لنواصل رحلة يقودها عطاء أهل قطر لا جهود العاملين في المؤسسة.
وقد حرصنا في اختيارنا لمشروعات "ثاني الإنسانية" أن تأتي ملبية لاحتياجات السكان في قطر، لذا كانت جميعها من قلب المجتمع وموجهة لأبنائه، وهو السبب الرئيسي في التفاعل الذي لمسناه من أهل قطر، وتتوزع مشروعات المؤسسة على مجالات متعددة تمس احتياجات المجتمع، ومن أبرزها:
وفاء أهل قطر للأمير الوالد
ووفاءً.. لأهل الوفاء، أطلقنا مشروعنا لتوزيع مليون مصحف باللغات العربية والانجليزية والإسبانية، بالتعاون مع مركز أجيال التربوي، ضمن مبادرة نور ووفاء، في ثواب صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، والمبادرة لم تكشف فقط عن محبة أهل قطر للخير، بل لمسنا من خلالها المحبة والتقدير الكبيرين من أهل قطر لصاحب السمو الأمير الوالد، وهو أفضل ما يقدمه أبناء قطر لأب عظيم، وقائد مسيرة قطر الحديثة.
"كنف".. الأسر المتعففة في صدارة اهتماماتنا
يستهدف مشروع "كنف" الأسر المتعففة والأفراد الذين يمرون بظروف اجتماعية أو اقتصادية تحول دون قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية. ويركز بصورة خاصة على الحالات التي يصعب عليها طلب المساعدة، مع الالتزام بالخصوصية والسرية. ويتعامل المشروع مع الحالات الطارئة الناتجة عن فقدان المعيل أو الأزمات المعيشية المفاجئة، من خلال دراسة اجتماعية متكاملة تحدد الاحتياج الفعلي لكل حالة. ولا يقتصر دوره على تقديم الدعم المؤقت، بل يسعى إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي للأسرة، والحد من آثار الفقر والعوز، بما يجعله أحد مكونات شبكة الأمان الاجتماعي ومساندًا للتكافل المجتمعي.
كفاف.. لتخفيف الضغوط المعيشية
يستهدف مشروع "كفاف" الأسر والأفراد من ذوي الدخل المحدود الذين يواجهون صعوبة في توفير متطلبات الحياة الأساسية، ويسعى إلى ضمان مستوى كافٍ من المعيشة الكريمة لهم. ويراعي المشروع تنوع الحالات المستفيدة، سواء كانت أسرًا كبيرة أو أفرادًا يعيشون بمفردهم، ويوجه الدعم وفق معايير دقيقة تراعي الأولويات والاحتياج الحقيقي. ويسهم المشروع في سد الفجوات المعيشية وتخفيف الضغوط اليومية عن الفئات الأقل دخلًا، بما يعزز الشعور بالعدالة الاجتماعية والانتماء المجتمعي. كما يحول العطاء إلى ممارسة مستدامة وتشاركية بين المتبرعين والمؤسسات، ويعزز ثقافة المسؤولية الاجتماعية والتكافل.
مواساة.. لنحدث فارقًا في حياة الأسر
يقوم مشروع "مواساة" على الوقوف إلى جانب الأفراد والأسر في لحظات الضعف والألم، ولا يقتصر على تقديم الدعم المادي، بل يقدم أيضًا بعدًا إنسانيًا يقوم على الاحتواء والاهتمام. ويسعى المشروع إلى التخفيف من المعاناة النفسية والاجتماعية للمستفيدين، وتعزيز ثقتهم بالمجتمع ومؤسساته. وينظر إلى كل مساهمة باعتبارها فرصة لإحداث فرق في حياة إنسان يمر بظرف صعب. كما يمثل دعم مشروعات الاستقرار الأسري استثمارًا اجتماعيًا وقائيًا، يسهم في الحد من مشكلات مستقبلية أكثر تعقيدًا وكلفة، ويجمع بين الإغاثة الطارئة والعمل التنموي ضمن منظومة إنسانية متكاملة.
إعفاف.. نمد يد العون لشبابنا
يركز مشروع "إعفاف" على دعم الشباب القطري المقبل على الزواج، من خلال تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالزواج وتقديم الدعم المادي للحالات المستحقة. ولا يقتصر المشروع على الجانب المالي، بل يشمل برامج توعوية وتثقيفية تعزز الوعي الأسري، وتدعم بناء أسر مستقرة ومتوازنة. ويأتي المشروع امتدادًا لمبادرات سابقة ناجحة، مع تطويرها وتوسيع نطاقها بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد. ويهدف "إعفاف" إلى المساهمة في الحد من الأعباء التي قد تواجه الشباب عند تأسيس أسرهم، ودعم الاستقرار الأسري، بما يسهم في حماية المجتمع من التفكك وتعزيز تماسك الأسرة.
عطاء الأجيال.. مساندة لكبار القدر
يقدم مشروع "عطاء الأجيال" رعاية شاملة لكبار القدر، انطلاقًا من تقدير مكانتهم ودورهم في المجتمع. وتشمل الرعاية الجوانب الاجتماعية والنفسية وتحسين جودة الحياة اليومية، بما يعزز شعورهم بالأمان والاحترام والاندماج المجتمعي. ولا يقتصر المشروع على تلبية الاحتياجات الأساسية، بل يسعى إلى إشراك كبار القدر في برامج ثقافية واجتماعية وترفيهية، لما لذلك من أثر إيجابي في صحتهم النفسية. كما تساعد هذه البرامج على تقليل الشعور بالعزلة وتعزيز الإحساس بالقيمة والعطاء. ويعكس المشروع توجهًا نحو رعاية هذه الفئة بصورة متكاملة تحفظ كرامتها وتقدر إسهاماتها في المجتمع.
سنابل الخير.. دعمًا للمرضى في مواجهة تكاليف العلاج
يمثل مشروع "سنابل الخير" أحد المشاريع الإنسانية الصحية، ويستهدف دعم المرضى، خصوصًا الحالات التي تحتاج إلى علاجات مكلفة أو طويلة الأمد، بما يخفف الأعباء عن المرضى وأسرهم ويسهم في تحسين فرص العلاج والتعافي. ويعتمد المشروع على الشراكة مع الجهات الصحية الرسمية، مثل وزارة الصحة العامة، لضمان دقة دراسة الحالات وتوجيه الدعم وفق معايير مهنية واضحة. ولا يقتصر الدعم على الجانب المالي، بل يمتد إلى المساندة النفسية والاجتماعية خلال رحلة العلاج. ويسعى المشروع إلى توفير بيئة داعمة ومتكاملة للمريض وذويه، وتعزيز جودة حياته أثناء العلاج وبعده.
عهد.. توعية الغارمين نواة للحد من أزماتهم
ينطلق مشروع "عهد" لتوعية الغارمين من رؤية تتعامل مع التعثر المالي باعتباره مشكلة قد ترتبط بظروف اجتماعية ونفسية معقدة، وليس بالضرورة نتيجة الإهمال أو عدم المسؤولية. ويسعى المشروع إلى نشر الوعي بمخاطر التوسع غير المدروس في الالتزامات المالية، وتعزيز ثقافة التخطيط المالي الرشيد والوقاية من التعثر. كما يقدم دعمًا ماليًا للحالات المستحقة التي يثبت تعثرها، وفق ضوابط ودراسة اجتماعية ومالية شاملة. وتُدرس كل حالة بصورة فردية، مع مراعاة حجم الدين وأسبابه والظروف القاهرة والوضع الأسري ومدى قابلية الحالة للاستقرار بعد الحصول على الدعم.
غاف.. رفع كفاءة العاملين في القطاع الخيري
يقدم "مركز غاف الخير للتدريب والاستشارات والتنمية المستدامة" نموذجًا متخصصًا في تطوير قدرات العاملين في القطاع الاجتماعي والخيري والتنموي في دولة قطر. ويهدف المشروع إلى نقل العمل الخيري من إطار الجهود التقليدية إلى نموذج مؤسسي أكثر احترافية، يقوم على بناء القدرات وتطوير الأداء وتحقيق الاستدامة في الأثر. ويركز المركز على رفع كفاءة العاملين وضمان استمرارية العمل الخيري والتنموي، بما يدعم تنمية المجتمع ويتوافق مع رؤية قطر الوطنية 2030. كما يوجه العائد من أنشطته لدعم القطاع الخيري وغير الربحي، بما يعزز الاستدامة المالية ويقدم نموذجًا للتنمية المسؤولة.
شعيرة الخير.. مواسم الطاعات أبواب للخير
يستعد مشروع "شعيرة الخير" مبكرًا لتنفيذ مشروع إفطار صائم، مع التركيز على توسيع نطاق التغطية وزيادة أعداد المستفيدين، إلى جانب ضمان جودة الوجبات المقدمة بما يتناسب مع روح شهر رمضان المبارك. ويولي المشروع اهتمامًا بالتنظيم المسبق للجهود التطوعية واللوجستية، بهدف ضمان تنفيذ عمليات الإفطار بكفاءة وسلاسة. ويأتي المشروع ضمن المبادرات الموسمية التي تعكس قيم التكافل والعطاء، من خلال الوصول إلى المستفيدين وتوفير وجبات الإفطار لهم خلال الشهر الفضيل. كما يعكس الاستعداد المبكر حرص المؤسسة على تنظيم الموارد والعمليات بما يضمن جودة التنفيذ وتحقيق أكبر استفادة ممكنة.
ساند.. يد بيد مع شركاء النهضة
يأتي مشروع "ساند" لسقاية العمال استجابة لحاجة إنسانية مباشرة، خصوصًا خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة، من خلال توفير المياه والاحتياجات الأساسية للعمال. ويعكس المشروع قيم الرحمة والتقدير والاهتمام بهذه الفئة، ويؤكد أن العمال شركاء أساسيون في مسيرة التنمية. ورغم بساطة المشروع في شكله، فإنه يحمل أثرًا إنسانيًا مباشرًا من خلال تلبية احتياج أساسي والاهتمام بمن يساهمون في بناء الوطن. ويسعى «ساند» إلى ترسيخ ثقافة تقدير جهود العمال وخدمتهم، بما يعكس قيم المجتمع القطري وصورته الحضارية، ويجسد مفهوم التكافل من خلال مبادرة عملية ومباشرة.
تبيان.. خدمة لكتاب الله
يختص مشروع "تبيان" بخدمة كتاب الله من خلال طباعة المصحف الشريف وترجماته المعتمدة، وتوزيعها على المساجد والمدارس والجاليات. ويسهم المشروع في نشر القرآن الكريم وترسيخ قيمه، كما يمثل جسرًا معرفيًا ودينيًا للناطقين بغير العربية، من خلال إتاحة الترجمات المعتمدة وتعزيز حضور القرآن في حياتهم اليومية. ولا يتوقف المشروع عند الطباعة والتوزيع، إذ تتجه المؤسسة مستقبلًا إلى التوسع في الأنشطة القرآنية، بما يشمل برامج تحفيزية ومسابقات قرآنية، دعمًا لحفظة كتاب الله ونشر رسالته في المجتمع القطري. ويجمع المشروع بذلك بين خدمة القرآن ونشر المعرفة وتعزيز الأنشطة القرآنية.
كافل يتيم.. رعاية لأجل مستقبل أفضل
يهدف مشروع "كافل يتيم" إلى توفير رعاية شاملة للأيتام، تشمل الجوانب التعليمية والصحية والاجتماعية، بما يساعد على توفير نشأة متوازنة وفرص أفضل للمستقبل. ولا ينظر المشروع إلى الكفالة باعتبارها دعمًا ماديًا فقط، بل يسعى إلى جعلها مصدرًا للاستقرار الحقيقي لليتيم. ويحرص المشروع على التعاون المستمر مع الجهات المختصة، بما يضمن حماية حقوق الأيتام وتحقيق أعلى معايير الرعاية لهم. ويعكس هذا النهج مفهومًا متكاملًا للكفالة، يجمع بين تلبية الاحتياجات الأساسية ودعم التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، بما يساعد اليتيم على بناء حياة أكثر استقرارًا.
منظومة وطنية رائدة
وفي الحقيقة، ما كان لهذه المنظومة أن تبلغ هذا المستوى من النضج المؤسسي لولا البيئة التنظيمية التي تطورت بالتوازي مع نمو العمل الخيري في الدولة. فقد انتقلت التجربة القطرية من المبادرات والمساعدات المباشرة إلى قطاع أكثر تنظيمًا ومهنية، يقوم على الحوكمة والشفافية والتنسيق وقياس الأثر والاستدامة.
وتجسد استراتيجية قطاع العمل الخيري والإنساني في دولة قطر 2025–2030 هذا التحول، إذ تمثل إطارًا عامًا للقطاع بأكمله، وتسعى إلى بناء قطاع خيري مهني ومرن يقدم أفضل الخدمات للمستفيدين داخل قطر وخارجها، مع تعزيز التكامل بين مؤسساته وتطوير قدراته وشراكاته. كما جاءت منصة "سندي" لتدعم تنسيق المساعدات الداخلية، وحصر الاحتياجات، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وفاعلية.